فخر الدين الرازي

121

تفسير الرازي

فوجب أن لا تكون من الأنبياء ، فهذا بيان وجه النظم ، وفي الآية مسائل . المسألة الأولى : قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في كعب بن الأشرف ، وكعب بن أسد ومالك بن الصيف ، ووهب بن يهوذا ، وزيد بن التابوب ، وفنحاص بن عازوراء وغيرهم ، أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا محمد تزعم أنك رسول الله وأنه تعالى أنزل عليك كتاباً ، وقد عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار ، ويكون لها دوي خفيف ، تنزل من السماء ، فان جئتنا بهذا صدقناك ، فنزلت هذه الآية . قال عطاء : كانت بنو إسرائيل يذبحون لله ، فيأخذون الثروب وأطايب اللحم فيضعونها في وسط بيت ، والسقف مكشوف فيقوم النبي في البيت ويناجي ربه ، وبنو إسرائيل خارجون واقفون حول البيت فتنزل نار بيضاء لها دوي خفيف ولا دخان لها فتأكل كل ذلك القربان . واعلم أن للعلماء فيما ادعاه اليهود قولين : الأول وهو قول السدى : أن هذا الشرط جاء في التوراة ولكنه مع شرط ، وذلك أنه تعالى قال في التوراة : من جاءكم يزعم أنه نبي فلا تصدقوه حتى يأتيكم بقربان تأكله النار إلا المسيح ومحمدا عليهما السلام . فإنهما إذا أتيا فآمنوا بهما فإنهما يأتيان بغير قربان تأكله النار . قال : وكانت هذه العادة باقية إلى مبعث المسيح عليه السلام ، فلما بعث الله المسيح ارتفعت وزالت . القول الثاني : ان ادعاء هذا الشرط كذب على التوراة ، ويدل عليه وجوه : أحدها : أنه لو كان ذلك حقاً لكانت معجزات كل الأنبياء هذا القربان ، ومعلوم أنه ما كان الأمر كذلك ، فان معجزات موسى عليه السلام عند فرعون كانت أشياء سوى هذا القربان . وثانيها : أن نزول هذه النار وأكلها للقربان معجزة فكانت هي وسائر المعجزات على السواء ، فلم يكن في تعيين هذه المعجزة وتخصيصها فائدة ، بل لما ظهرت المعجزة القاهرة على يد محمد عليه الصلاة والسلام وجب القطع بنبوته سواء ظهرت هذه المعجزة أو لم تظهر . وثالثها : أنه إما أن يقال إنه جاء في التوراة أن مدعي النبوة وإن جاء بجميع المعجزات فلا تقبلوا قوله إلا أن يجيء بهذه المعجزة المعينة ، أو يقال جاء في التوراة أن مدعي النبوة يطالب بالمعجزة سواء كانت المعجزة هي مجيء النار ، أو شيء آخر ، والأول باطل ، لأن على هذا التقدير لم يكن الاتيان بسائر المعجزات دالا على الصدق ، وإذا جاز الطعن في سائر المعجزات جاز الطعن أيضاً في هذه المعجزة المعينة . وأما الثاني : فإنه يقتضي توقيت الصدق على ظهور مطلق المعجزة ، لا على ظهور هذه المعجزة المعينة ، فكان اعتبار هذه المعجزة عبثا ولغوا ، فظهر بما ذكرنا سقوط هذه الشبهة بالكلية والله أعلم .